الجمعة، 10 فبراير، 2012

High Score


لدي تقليد لطيف يوم إعلان نتيجة الامتحانات ... و هو الاكتئاب !
أجل ، فرغم درجاتي التي تبدو جيدة نوعـًا ما ... أكتئب و ألقي بشهادتي على الأرض و أبكي كثيرًا ... كان أبي يظنها في البداية دموع الفرح ثم اكتشف إنها دموع من نوع آخر !
لأنني كنت أردد باكية ( لأ كدا كتير هضطر أبذل مجهود أكتر) ... لأن الدرجات العـُليا كانت تتطلب مزيدًا من الجهد و التركيز ... لا يـُسمح لك في هذا المجتمع أن تتراجع ... إذا كنت الرابع هذا العام فعليك أن تكون الثالث في العام القادم ... و بعدها تصبح الأول و ليس الثاني!
هذه الأفكار تجعلني دائمـًا خائفة من الفشل ... لدرجة إنني كنت أضع في كثير من الأحيان خطة الطواريء قبل الخطة الرئيسة !
فكرة أنك حصلت على مجموع كبير في المدرسة أو High Score  في لعبة ما ... تجعلك تركز أكثر و تبذل مجهودًا أكثر للحفاظ على مستواك و للتقدم .
فكونك الأول على الفصل لا يكفي ... بل يجب أن تكون الأول على المدرسة ثم على الإدارة التعليمية و عليك أن تحافظ على المركز الأول دومـًا و أبدًا .
نظرية الـ50 من 50 و الـ100% المرعبة تلك هي أول سبب في كراهيتنا للتعليم و للحياة في مصر بصفة عامة .
منذ كـُنا صغارًا و نحن نستمع إلى حكايات عائلاتنا و الحكمة الخالدة لهم " أبوكم كان الأول على الصف على طول" ... وبعد أن اكتشفنا أننا تعرضنا جميعـًا لهذه الخدعة في بيوتنا ، كـُنا نتساءل دائمـًا (طب مين التاني ؟!)
هذه الخدعة التي عـِشنا فيها و قررنا أن نكون دائمـًا "الأول" و صاحب الـ"Score" الأعلى حتى لو في ضرب الذباب ، جعلت المصريين كلهم يعانون في حياتهم .
بداية بالمدرسة و الواد "أحمد" دودة الكتاب و كيف سأتغلب عليه ثم مرورًا بالماراثون التنافسي الكبير الثانوية العامة و أيضـًا الجامعة و الحكمة الخالدة –أيضـًا- (ماعدوك إلا ابن كارك) ثم العمل في الوظيفة المثالية التي يتمناها الجميع و العثور على الشريك المثالي و شراء السيارة الفلانية و بناء البيت الفلاني ... إلخ إلخ
هذه الدوامة جعلت المصريين في حالة نفور دائم من حياتهم و يعيشون كل يوم في دائرة من الصراع النفسي و البدني الذي يهلكهم عند بداية سن الأربعين .
و لأن ثقافة الـ100% مسيطرة ، فكان رأي صديقاتي في إحدى الصديقات الأجنبيات عندما حصلت على 7.10 من 10 في امتحان اللغة الإنجليزية إنها فاشلة !
رغم أنها كانت الأولى على الصف ، و كانت مندهشة عندما أخبرتها بحصولي على 96% في امتحاني النهائي و لم ألحق أي ترتيب !
هذا الفرق بين التعليم الأجنبي و التعليم المصري هو ما يدفعنا نحو الهاوية بسرعة !
" ليس المهم مـَن يكسب في النهاية ... المهم أن تستمتع باللعب النظيف "
لا أحد يفهم هذه الجملة في مصر للأسف حتى في الكرة !
و لأدلل على ذلك بمثال ، سألت معلمتي ذات مرة "حضرتك بتقولي لازم نجيب 50 في الامتحان ، طب لو جبت 49و نص ؟! أبقى ما ذاكرتش مثلا و ما أستحقش أدخل الكلية اللي أنا عايزاها ؟ رغم إني اجتهدت و جبت 49 و نص بحالهم ... ليه تعاقبوني على النص درجة و لاّ درجة ؟!! "
فكرة الدرجة النهائية كانت مسيطرة حتى في الألعاب الإلكترونية !
فكنت أخاف من الألعاب لأنني يمكن أن أحبها و بالتالي سأتمكن من تحقيق score عالي و بالتالي ففي المرة التالية التي ألعب فيها سأكون خائفة جدًا و سأعمل جاهدة على تحقيق نفس الـscore  أو أكثر منه .
و كلما ارتفع الـScore كلما بذلت مجهودًا أكبر و ضغطت على أعصابي أكثر حتى لا أفقده في المرة التالية !


ثم بدأت مرحلة النضج ، لا بأس ... سألعب حتى لو لم أحصل على الـscore المناسب ، المهم أنني أستمتع باللعب ... أبذل مجهودًا حتى لا أخسر اللعبة و في نفس الوقت لا أرهق أعصابي لدرجة تفقدني توازني النفسي و البدني من أجل المكسب .


و بدأت بعدها مرحلة التحليل ... هذا "طـمـع" يا سارة ... أنا أريد الدرجة النهائية في الامتحان و أريد High Score عالٍ في كل مرة ألعب فيها هذه اللعبة ... لا يمكن أبدًا ألا يكون هذا "طـمـع" !! 


ثم بدأت مرحلة التفصيل ... هناك طمع مشروع و طمع غير مشروع ...
فحلمي بالحصول على الدرجة النهائية طمع مشروع لكن الحصول عليه بالغش و بالحقد على الزميلات طمع غير مشروع
حلمي بدخول الكلية التي أريدها طمع مشروع لكن الغش طمع غير مشروع
حلمي بوظيفة الأحلام طمع مشروع لكن الاحتيال و الواسطة من أجل الحصول عليها طمع غير مشروع .

و هكذا ...


بدأت أصل إلى استنتاج في النهاية ... كل الخيوط متشابكة و التفرقة بين الطمع المشروع و الطمع غير المشروع يأخذ وقتـًا و مجهودًا .. نحن البشر نسير على خيط رفيع يشبه الموجود في السيرك ... لو مـِلنا يمينـًا فسنقع و تنكسر رقبتنا ... و لو مـِلنا يسارًا فسنقع أيضـًا و تنكسر رقبتنا و ربما نسبب الأذى لو وقعنا فوق شخصٍ آخر.
أن نظل متوازنين بين الطمع المشروع و الطمع غير المشروع ... بين الحقيقة المؤكدة أن لا فائز دومـًا و لا خاسر دومـًا ... و أنك لا يمكن أن تكون دائمـًا الأول و لا دائمـًا الأخير ...
إذا أخذت في اعتبارك أن كل شيء في هذه الدنيا يمكن أن يأتي بنتائج مرضية لكن ليست المطلوبة أو العكس ... إذا انتبهت أنه لا بأس بأن تحصل على 48 من 50 في امتحان الحياة و تتعلم من أخطائك لتُحسن من نفسك المرة القادمة ... إذا أردت أن تنجح فالعب اللعبة بنزاهة و بروح حلوة ... فإذا كسبت كان بها و إذا خسرت ... فرجـاءًا أعد المحاولة حتى تنجح أو تموت!

هناك 4 تعليقات:

  1. حلو الكلام اوي يا سارة
    بس انا ف الكلية اكتشفت حاجة مهمة
    ان الهاي سكور مش مهم
    وف الثانوية العامة برغم اني كنت عارفة انه مهم
    بس كنت بتجاهله
    ليه بقى؟
    لأني لو فضلت بدح وعاوزة ابقى الأولى هخسر حاجات كتير
    هخسر اني ادخل اقرا البلوجات اللي بحبها واني اروح وسط البلد آكل بطاطا في عز البرد واني واني... حاجات كتير اوي انا بحبها

    عشان كده كان طول عمري دراسيا راضية باي مركز من التلاتة الاوائل
    الحمد لله..مكنتش بحس باني قليلة او اي حاجة
    بالعكس كنت بحس اني احسن من الاوائل اللي مراحوش السينيما زيي او مشافوش البرنامج اللي شوفته

    ونفس الحوار ف الجامعة
    اللي هيشترك في نشاط مش هيبقى الاول بس هيبقى مستمتع بالحياة الجامعية اكتر م اللي بيدح فقط

    حطي المعادلة اللي انتي عاوزاها وهتريحك
    بس خليكي متوسطة عشان بجد تبقي مبسوطة
    :)

    ردحذف
  2. الفشل الحقيقي هو أن نكف عن المحاولة ..
    كالعادة رائعة .. وأكثر حاجه عجبتني الجملة دي " نحن البشر نسير على خيط ....." فعـــــــــــــــلا تجسد الحياه بشكل أول مرة أقرأوه " ... أشكرك علي هذه الجملة.. وربنا يوفقك واسمحيلي ان أضعها في مفكرتي ..

    ردحذف
  3. تفكير العظماء :)

    بس علشان تكسبى المركز الأول هتقع منك حاجات كتير وأنتى مش واخدة بالك

    ردحذف
  4. تعرفي ياساره أنا عمري ما اقتنعت بفكرة ان الدراسه دي منهج حياه
    بعتبرها مجرد وسيله علشان اوصل لحلمي
    مش مؤمن بفكرة ان الكليه اللي هدخلها هيه اللي هترسملي مستقبلي
    أنا هرسم مستقبلي باصراري وبفكري وعمري ماهكون ضحيه لفساد التعليم فـ بلدي

    ردحذف