كانت رحلة متعبة حقـًا .. !
وصلت إلى موقف الأتوبيس و أنا مرهقة البدن و النفس ..
رقص قلبي من السعادة عندما وصلت إلى سُـلم الأتوبيس ..
و لكنني حافظت على هدوء أعصابي و أنا أصعد السـُلم كممثلة قديرة تتقن دورها جيدًا
جلست إلى مقعدي بجوار النافذة و أرحت رأسي إلى وسادته .. أسدلت شعري و عبثت به قليلاً ..
تأملت مـَن حولي بعيون نصف مكترثة .. ثم استدرت لنافذتي أرقب الطريق...
هذا الرصيف ذو اللونين الأسود و الأبيض..
مستقر في مكانه لا يشكو .. هذا عمود الكهرباء يبدو صنمـًا فعلاً لكنه صنـمـًا لا يـُعبـَد ..
مـُنكسُ الرأس يشبه أحوال الأرض التي يوجد فيها ...
بضعة أشجار متناثرة هنا و هناك و تل بعيد ممتليء برمال الصحراء ...
لاشيء سوى نفس المشهد طوال الطريق !
بدأت الحافلة في التحرك ... وضعت سماعات الموسيقى في أذنيّ...
و بدأت موسيقى الميتال و الجاز و الروك و البوب تعمل ..
أغمضت عينيّ قليلاً و استمتعت بتغير وجهي كل مرة نمر فيها أمام عمود الكهرباء...
يتعاقب اللون البرتقالي مع الأسود على وجهي...
بينما أتلذذ أنا بذلك و أفكر ... كنت مرهقة جدًا ..
كل شيء كان يـُرهقني .. العمل .. الجلوس في المنزل ... مشاجرات الأصدقاء و الأعداء أيضـًا ..
حتى هذه الرحلة الترفيهية أرهقتني أيضـًا .. و ربما أكثر ما أرهقني فيها هذا ...
كان مطبــًا رهيبـًا ..
ارتجت الحافلة و سقطت سماعة الموسيقى و فتحت عيني متضايقة مما حدث .. لألمحه .. بل ألمحهما !
لم أستطع تمييز ملامح وجهه جيدًا في الإضاءة الخافتة و لكنني استطعت ملاحظة عينيه جيدًا ..
كانتا بنيتان جميلتان ... تشبهان في لونهما جذع الشجرة القديمة المستقرة في حديقة جدي ...
مفعولهما له ذات تأثير مفعول قهوة الصباح ... انقبض قلبي بشدة و اندفع الدم في عروقي يصرخ ...
أغمضت عينيّ لأهدأ و لأستطيع الاحتفاظ بشكل عينيك لأطول فترة ممكنة ...
كانتا تعكسان روحـًا مشاغبة جدًا رغم هدوئها الظاهري ...
بها الكثير من الحزن لا أعرف سببه أو ربما أعرفه لكني غير منتبهة له الآن...
فتحت عينيّ مرة أخرى و رأيتك ... شاب طويل وسيم يشاغب كل مـَن حوله
و تُـلقيه مطبات الطريق بين جنبات الحافلة ..
حتى اهتديت إلى المقعد الذي أمامي .. جلست فيه و أسندت ظهرك باطمئنان ..
لا أدري أهو اطمئنان القوي الذي لا يخاف من المفاجآت
و مستعد لمواجهتها أم لأنك علمت أن هناك من سيحرس ظهرك من الخلف ؟!
حاولت عبثـًا أن أجعل عيناك تلتقي بعيناي ... لست بهذه الجرأة و لا بذلك الخجل ...
لدي المقدرة على أن أواجه عينيك الجميلتين...
آه .. ها أنت تستدير لتـُكلم الفتاة التي تجلس ورائي ...
كلا ! لن أستطيع مواجهة عيناك ... ها قد أبعدتها بعيدًا عنك !
توردت خجلاً و لكن لحسن حظي المكان مظلم و لم يلمح أحد انفعالاتي تلك..
.. أغمضت عينيّ مجددًا و تأملت صورتك التي طبعتها في خيالي ...
أنا المـُعاقبة المطرودة من جنة الحب .. قد دخلتها الآن فقط بتصريح من عينيك ..
و كما سمعت و قرأت فهي مليئة بالقصور .. لكنني لم أرَ منها سوى طريق مليء بالأشجار ..
هذه بداية الطريق إلى القصور...
و هذا يعني بداية الحب .. "الإعجاب" ..
احتضنتك بجفوني و قبلتك عيوني عندما التقينا في نصف الطريق ..
أنا التي كنت أنفر من نظرات الرجال الذين قابلتهم في حياتي .. و كنت أتجاهل غزل أعينهم ..
جئت أنت لتجعلني أطمع في نظرة منك...
كم أنت قاسٍ !
ضغطت على زر إيقاف أغنية الميتال التي أحبها .. هذا الموقف لا يحتاج إلى ميتال ..
هذا الموقف يحتاج إلى أم كلثوم !
هي الوحيدة التي تستطيع تهدئة انفعالاتي .. حبها العظيم العميق الهاديء الراسخ ... إنها تحب بثقل ..
هذا ما أحتاجه الآن !
عادت أصابعي إليّ خائبة .. للأسف لم أقم بإدراج أغنية لأم كلثوم في هاتفي ..
كنت أعتمد دومـًا على أن شرائطها موجودة في سيارتي .. و ها أنا الآن أفتقدها بشدة !
مرت الساعات بطيئة .. و أنا أفتح عينيّ بين الفينة و الأخرى علها تلتقي بعيناك الجميلتان
فأخبرها بما كان منها ..
و لكنك لم تفعل !
طوال تلك السويعات الطويلة لم تفعل .. لم تنظر إليّ و لا مرة و لو على سبيل الخطأ ...
لكنني لم أستسلم .. ظللت أترقبك و أترقبك ...
أصبح كل الطريق بالنسبة إليّ هي المسافة بين مقعدي و مقعدك ..
اختصرت كل المسافات و كل الأزمنة .. كل الطريق أصبح انعكاسـًا لما بين عينيك فقط !
وقفت الحافلة .. و أتى أحد أصحابك ليصطحبك للنزول في موقفكما ..
أبيت روحي أن تستسلم في آخر لحظة .. اعتدلت في جلستي قليلاً و هتفت بك "مع السلامة"
التفت إليّ و نظرت إليّ و ابتسمت قائلاً "شكرًا ، سلام"
غادرت .. !
نعم .. غادرت !
غادرتني .. غادرت أكثر قلب دق لأجلك و أكثر عقل فكر فيك ..
أغمضت عينيّ في استسلام .. أتأمل في تفاصيلك ..
تركتني مـُعلقة بين أمل ابتسامتك الأخيرة لي .. و نظرة عينيك الغير مبالية بي ...
تركتني .. أتركتني ممزقة أم أنني مزقت نفسي بنفسي بحبك و بالتفكير فيك ؟!
لا أدري !
لكنني أعلم ..
أن عينيك كالطريق .. يجب أن تعبرها لتصل إلى غايتك و لكن لا فائدة منها إذا ما أردت العيش فيها طوال حياتك !
\\ النهاية //
سارة حسين
2 مايو 2012