سبق و أن قلنا في المقالة الأولى أن الطفل يكرر ما يسمع و ما يرى في محيطه الضيق (الأسرة) و يطبق الطفل بعفوية شديدة هذه الأقوال و الأفعال خارج محيط أسرته و بعد فترة من عدم الاهتمام بما يسمعه الطفل أو يراه في منزله نُصدم بالحقيقة المرة و هي أن طفلنا الصغير المدلل الغير واعي بأفعاله قد صار شابًا يافعًا و أخلاقه سيئة !
و إذا كنا سنتحدث عن فساد المؤسسة التربوية و التعليمية في مصر فنحن نحتاج إلى كشاكيل و مدونات قد تضطرنا للاستحواذ على الانترنت بالكامل و أن تعمل شركة (الشمرلي) لإنتاج الكشاكيل لنا فقط ، لذلك سأكتفي فقط ببعض المواقف التي حدثت معي و بعض المواقف التي سمعتها من أصدقائي و معارفي . هذه القصص و المواقف المؤلمة كثيرًا و المضحكة قليلاً تعكس لنا قضية وطن أصبح يعاني من "طشاش" الرؤية و "قصر" نظر الفكر و "طول" لساننا و "خلو" جوفنا من الأقوال المفيدة و اختلال في حكمنا على الأمور و يد مقطوعة عن العمل و الاجتهاد .
و إذا كانت ملامح المدرسة المصرية ما زالت في بالك عزيزي القاريء ... فستجد جميع المتناقضات تجتمع على ساحة واحدة هي ساحة المدرسة !
المسلم و المسيحي ، المنقبة و المحجبة و السافرة ، القصير و الطويل ، الرفيع و البدين ، الذكي و الغبي !
و رغم اعتراضي على الجملة الأخيرة لأنه لا يوجد إنسان حي على وجه الكرة الأرضية غبي و إنما يتميز في مجال ما و يظهر ذكاؤه فيه بينما يكون قليل الذكاء في مجالات أخرى و لكننا إذا نظرنا إلى الموضوع نظرة شاملة ... سترى أنك –بلا وعي تقريبًا- تفرق و تبدأ أغرب عملية فرز و تصنيف يشهدها التاريخ البشري !
نحن نبدأ في التفرقة منذ الصغر ... عندما نفرق بين الولد و البنت ثم بعدها نفرق بين الطفل الذكي والطفل الغبي و بعدها تبدأ مرحلة القصير و الطويل و البدين و الرفيع ثم التفرقة بين لون الوجه الأسمر و الأصفر و الأبيض ثم نصل للمصيبة الكبرى و هي التفرقة بالأديان !!
أفعال صغيرة ... كلمات قد تبدو سطحية ... كل هذا يذكي روح التفرقة التي تتحول إلى فتنة فيما بعد و ربما تصل إلى الحرب مثل الحرب الأهلية في أمريكا بين البيض و الزنوج .
طيب لماذا ؟ لماذا وصل الموضوع في مصر من التفرقة بين الولد و البنت إلى المسلم و المسيحي ؟
إذا أردنا أن نبحث جزءًا صغيرًا من الموضوع ، فستجد في قصتي القصيرة هذا الجزء ...
و أنا في الصف الثاني الابتدائي (حوالي 7 أو 8 سنوات) زنقتني بنتين في الفصل على الحيطة و على وجهيهما علامات غضب شديد و صاحت فيّ إحداهما : انتي مش مسلمة !! ليه بتحضري معانا حصص الدين ؟؟
فقلت بدهشة اني مسلمة فكررت البنت التانية الجملة بغضب و هي تقول : مامتك مش محجبة ! يبقى انتي مش مسلمة !! ما تحضريش معانا حصة الدين بعد كدا !!
طبعًا الموضوع أثر فيّ بشكل جامد خاصة في هذه السن الصغيرة ، و رغم إن الموضوع اتحل تقريبًا في المدرسة إلا إن الحفرة السوداء اللي اتحفرت جوايا فضلت مفتوحة فترة طويلة ...
في ناس اقترحت عليّ إني ساعتها كنت ممكن أنطق بالشهادتين و بكدا أكون خالصة لكني زي ما قلت لكم كنت صغيرة جدًا و لا أعرف الفرق بين المسلم و المسيحي إلا إن الأول بيروح الجامع و التاني بيروح الكنيسة و الاتنين بيصلوا هناك و بيعبدوا ربنا .
إذا كان الموقف دا هنقف قدامه بشوية ذكاء و نفكر ...
ليه أطفال في السن الصغيرة دي بتفكر في مسلم و مسيحي !؟
ليه الأطفال الصغيرة دي بدأت تفرز و تصنف الناس حسب لبسها و إن دي محجبة تبقى مسلمة و اللي مش محجبة تبقى مسيحية ؟!
ايه اللي شجع الأطفال دي إنها تتقدم خطوة للأمام و تبدأ تهاجم في بقية الأطفال معاها في الفصل ؟!
الإجابة كما قلنا في البداية ... الأسرة !
الطفل كائن مقلد ... يسمع و يرى و يحفظ ثم يطبق !
كلنا عندنا تلك الصور الطريفة عندما كنت تحاول تقليد والدك و هو يقرأ الجريدة أو تحاولي تقليد والدتكِ و هي تصلي و ترتادين في تلك الصور طرحة خفيفة و تبتسمين للكاميرا و كأنكِ تقولين (الزي دا زي الصلاة و أنا بصلي أهو زي ماما) !!
هههههههه ، أضحك ...نعم أضحك ! عندما أتذكر نفسي و أنا أمسك بموبايل لعبة و "أزعق" فيه محاولة تقليد طريقة ماما لما تكون متضايقة من زملائها في العمل أو أجيب اسكتش رسم و أشخبط عليه و أقول بمنتهى الفخر (أنا صممت مدينة أجدع من مدينة بابا بميت مرة)!
كل هذه المواقف ترسبت بشكل ما في وجداننا و أصبحت جزء من ثقافتنا و تربيتنا ... عندما يسمع الطفل في منزله قصص عن (مسلم و مسيحي) و (محجبة و مش محجبة) أكيد هيطلع يتكلم في المواضيع دي ... و إذا سمع الطفل في بيته عن (الحرب العالمية الثانية) و (ثورة يوليو 1952) و (حرب 1973) و قعد مع عيلته اللي فيها مشارك في الثورة و اللي فيها مقاتل في الحرب و اللي فيها دكتور و اللي فيها مهندس و كلهم كانوا مستحملين "قرف" النظام السابق و ما طفشوش برا البلد و تشبع بالوطنية و أصبحت مصر هي حبه الوحيد ... أكيد ستختلف نظرته و طريقة كلامه عن الطفل الذي يسمع في منزله كلام مثل (المسلم زي الفل و المسيحي درجة عاشرة) أو (تطبيق الحدود) أو ( نصراني كافر) ... و للحديث بقية و نتابع في المقالة القادمة إدوارد المسيحي اللي تحول في نظر زميله لـ(نصراني كافر) !!

