الأحد، 6 يوليو، 2014

أولاد حارتنا


اسم الكتاب : أولاد حارتنا - رواية
اسم المؤلف : نجيب محفوظ


✯✯✯✯☆


أخيرًا أنهيتها!

حصلت عليها كهدية من صديق عزيز أعتبره أبـًا روحيـًا لي في نهاية العام 2012 ووضعتها في خطة القراءة زمنـًا ولم أحصل على وقتٍ كافٍ أبدًا لأبدأ فيها حتى،ثم اضطررت إلى قراءتها أخيرًا بعدما اتفقنا على قراءتها ومناقشتها في نادي الكتاب في المنصورة.


استغرقتُ وقتـًا طويلاً في قراءتها ولم أستطع قراءة أي شيء آخر بجانبها فاستحوذت –هي- على جـُلّ وقتي.رواية دسمة ومليئة بالأحداث والشخوص،شعرت بها حقـًا وأعجبتني كثيرً،مليئة بالفلسفة والدلالات والرموز وأشعرتني النهاية بالصدمة..لقد انتهت أخيرًا بعد رحلة طويلة في القراءة..انتهت هكذا..ببساطة!

يسحبنا نجيب محفوظ في رحلته متخذًا "تيمة" قصص بعض الأنبياء المشهورة بعد تحويرها،فهو لم يضع كتابـًا للتاريخ ولم يحرّف قصة للأجيال القادمة،وإنما اتخذ القصص كـ"تيمة" ليبدأ قصص أبطاله في الحارة..حارتنا..!
تشعر في بداية الرواية أن الجبلاوي هو رمز إلى الله سبحانه وتعالى خاصة في قصة طرد إدريس وأدهم من البيت الكبير وإتخاذ إدريس طريق البلطجة والشر ومحاولته الدائمة لجر أدهم ليكون معه وإصراره على أن أدهم لن يعود للبيت الكبير،ثم تبدأ في تغيير وجهة نظرك حينما تتعمق أكثر في القراءة وتكتشف أنه ربما كان الجبلاوي رمزًا للدين وربما كان رمزًا للعدل الإنساني الناقص رغم قوته وفخامته وأبهته.فالجبلاوي يمتلك رصيدًا لا بأس به من المشاعر الإنسانية ظهر في اهتمامه بهمام وبعفوه –أخيرًا- عن أدهم وعن حزنه الشديد على وفاة خادمه العجوز ووفاته متأثرًا بمقتله.

جبل! لم أدرك رمزه إلا متأخرًا قليلاً،أحببته،لقد كانت الحارة في عهده ما تزال في طورها الأول ولم تتقدم بعد وقد اتخذت القوة وسيلة لتحقيق العدل بينما تطور الأمر مع رفاعة فأصبح التفاهم والحب أفضل وسيلتين ثم أتى قاسم ليصبح العدل للجميع لا لربع معين دون غيره . بينما كان عرفة تغيرًا في مجرى أحداث الحارة،فلا مُخلّص هنا إلا أبناء الحارة أنفسهم وعليهم أن "يتعلموا" السحر ليـُخلصوا أنفسهم وليحيوا الجبلاوي مرة أخرى..فالعلم هنا يـُحيي فكرة الدين الحقة لا المزيفة التي يصدرها لك من يستولي على مفاتيح الدين.

وإذا نظرنا إلى الحارة من جانب آخر،فربما رمز الناظر إلى جبروت السلطة والمتحكمين في مقاليد الأمور والدين..مـَن لديهم صكوك الجنة والنار والفتوات الذين يشبهون في زماننا الآن البلطجية المؤجرين المرخصين منهم والخارجين عن القانون. وربما كان جبل ورفاعة وقاسم وعرفة أناس قادوا ثورة ضد هؤلاء المفسدين،الإحتلال الخارجي والإحتلال الداخلي من أبناء الوطن ..حرب على الفساد والفقر والجهل.

لاحظت أن حارتنا تشبه مصرنا الحبيبة كثيرًا،فأهلها رغم قوتهم وبأسهم يستسلمون بسرعة للقوة ويخضعون لمن يملك زمام الأمور وينتظرون أن يأتي أحد من الخارج لينقذهم ويخلّصهم من الطاغية ورغم أن (آل حمدان) بدأوا بدون جبل في المطالبة بحقهم لكنهم استسلموا بسرعة.كما تعكس الحارة الظلم الذي تتعرض له المرأة والاتهامات الدائمة مثلما حدث مع (ياسمينة) رغم أن الجـُرم مشترك هنا بينها وبين (بيومي) ولكن ولأنه رجل ولأنه فتوة أفلت منها! (هل يـُذكرك هذا بأحداث حصلت في السنوات القليلة الماضية في مصر؟!) ويتكرر سيناريو المرأة المظلومة مرة أخرى في (قاسم) الذي أعاد للمرأة حقوقها في الوقف .
الحارة عرضت تطور الإنسان بشكل واضح،من إنسان يستخدم القوة إلى الحب إلى العدل وكما قال ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية (الحرب هي أخر حل دبلوماسي)،فهذا يـُظهر كيف كانت الحارة همجية في أول نشأتها ثم بدأت تتطور ببطء.

معركة حمدان وزقلط تشبه إلى حد كبير معركة القوة مع الحق مثلما حدث في ثورة 25 يناير 2011. وكلام أهل الحارة في تلك المعركة يشبه إلى حد كبير بل يكاد يتطابق مع كلام المصريين أثناء الثورة.
عمومـًا،أنا كنت "شمتانة" جدًا في قتل (زقلط). كما أن هذه الرواية توقظ كل نظريات المؤامرة في التاريخ والحاضر في ذهني:مثلاً في إخراج (جبل) للثعابين من الحارة رغم أنه مـَن أدخلها للحارة تشبه ما حدث في مصر في الأعوام القليلة الأخيرة ،ومعاملة أهل الحارة لـ(جبل) بعدها أنه المـُنقذ والمـُخلّص.
كلام عويس صـ372 عن الأمن والسلامة وعدم المخاطرة بهما من أجل بقية الحارة يشبه ما يقوله المصريون عن عدم تعريض مصالحهم للخطر من أجل الحرية والكرامة والعدالة ،مما يدل على صدق الرواية وتجمد عقول المصريين والبشر عمومـًا عند هذه النقطة منذ زمن.
كنت أتوقع الخيانة من المحامي الشناقيري.
 أعجبتني طريقة وصف المعركة صـ449
وكلمات الكاتب عن أن الحارة تباهي بحب النسوان وتتيه بهذه المقدرة صـ465 ذكرتني بالعرب وكأننا لم نتطور ونتقدم أبدًا!

يعكس (عرفة) مثال الشخص الذي يحاول أن يقدم الخير للناس فلا ينجح في ذلك إلا بالوصول إلى شخص سيء لينجح فيكرهه الناس فيعيش صادق النية مكروهـًا بين الناس سيء الفعل ويشبه أشخاصـًا كثيرين في حياتنا يحاولون فعل الخير فيتورطون في أسوأ الأعمال ويكرههم الجميع.
أعجبتني الكلمات في صـ534 ( في حارتنا الإشاعة حقيقة والحقيقة حكم)...كلمات مصرية للغاية وحقيقية جدًا! هكذا يتعامل المصريون مع الإشاعة ويتعامل الإعلام معها وينشرها بصفتها الحقيقة ولا يكلف نفسه العناء إعادة النظر ونشر الحقيقة إذا ظهرت.
لم أحب كثيرًا عرفة ولكنني فهمت مغزاها الفلسفي فقد كان واضحـًا أكثر من أي فصل آخر.

الرواية في المجمل جميلة وتستحق القراءة والتأمل والتعمق في فلسفتها ولكنني لا أستطيع اقتراحها لأي شخص خوفـًا من العقل المغلق وحجمها الكبير الذي يمكن أن يمنع أي شخص من إكمالها،ربما لهذا أنقصتها نجمة وربما لبعض الملل الذي اعتراني في المنتصف في جزء (قاسم) وقرب نهايتها في (عرفة).

وهاهي بعض الجمل التي أعجبتني في الرواية :
 



ماذا أفدتِ من الحكايات يا مصر؟ ماذا أفدتِ من الحكايات يا أمة الإسلام؟ ماذا أفدتم من الحكايات يا عرب؟

 


فمتى تكفي عن النسيان يا حارتنا؟!

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق