الأربعاء، 29 يوليو 2015

أنجيلا ميركل لا تقود الحافلة

أظن أن الضجة الإعلامية التي أحدثها مصرع الطالبة “يارا” في الجامعة الألمانية منذ عدة أسابيع قد هدأت كثيرًا، وكان هذا متوقعـًا؛ لكثرة الملفات المفتوحة في مصر، التي يـُثار منها عدد جديد كل يوم، كما خفتت الضجة دون إحراز نتائج ملموسة أو الوصول إلى حل جذري، وكان ذاك متوقعـًا أيضـًا؛ نظرًا لأنك تتكلم عن حادثة وقعت في مصر، فهل تتوقع محاسبة فعلية أو حلاً جذريًّا!؟ إذًن، فقد هدأت الضجة وهذا ما كنتُ أنتظره حتى أتحدث قليلًا، ليس عما حدث بالضبط لـ”يارا” ولكن للإجابة عن سؤال دار في أذهان كثيرين “كيف يحدث هذا في الجامعة الألمانية؟!”
تنبع حيرة الكثيرين من الحادثة من الاسم “الجامعة الألمانية” لا من الحادثة نفسها؛ فالمصريون معتادون على أخبار الكوارث الخاصة بالمواصلات، ولا يمكن أن يمر يوم دون أن تقرأ جريدة أو تشاهد نشرة أخبارٍ إلا وتجد حادثة طريق راح مصرعها عدد من الأشخاص، ولكن كثيرين توقفوا عند اسم الجامعة هنا، وكأننا نتحدث عن دولة أخرى، كما تناولت الأخبار الإعلامية صمت الجامعة المريب عن الحادث ومراوغة الأطباء في دهشة، وكأننا ننتظر أن تخرج علينا إدارة الجامعة باعتذار رسمي مثلاً وتكريم الطالبة بإطلاق اسمها على أحد المدرجات في الجامعة!
مرحبـًا يا إعلام! نحن في مصر وهذه جامعة في أرض مصرية، ماذا تتوقعون؟! أنتم تتحدثون هنا عن سائق حافلة مصري وعن إدارة مصرية، هل تتوقع مثلاً أن الجامعة الألمانية هي جزء من ألمانيا؟!
إن تصرف الجامعة تصرف مصري أصيل يليق بمكانة النظام المصري العتيق في إدارة الكوارث والأزمات، الصمت والكتمان ثم الإنكار الشديد ثم “تلبيس” التهمة لأصغر عامل في المنظومة ومحاسبته وهكذا تنتهي القضية!!
ثم ماذا نتوقع من سائق الحافلة المصري الذي يعمل في الجامعة الألمانية؟!هل نتوقعه حاصلاً على الدكتوراه مثلاً أم أنه شخص منتبه وبارع في قيادته؟! إنه مصري يحمل جينات الإهمال، الجينات التي لا تـُفرق بين طبيب ينسى “الفوطة” في أحشاء المريض وسائق قطار يتسبب بتهوره في مقتل المئات أو سائق حافلة في جامعة خاصة!
أتذكر الحادثة التي حصلت منذ أعوام في جامعة المنصورة، الطالبة “جهاد” التي تم قتلها على مرأى ومسمع الجميع في الجامعة على يد أستاذة جامعية لا تُجيد القيادة، يومها ثارت الجامعة على رئيسها الذي تكتم على الوضع وتصرف تصرفـًا سلبيـًا خائبـًا لا يليق بمكانة الجامعة ولا بفظاعة الحادثة، رئيس الجامعة الذي كوفئ على تستره على الجريمة الشنعاء بأن صار وزيرًا للتعليم العالي ونـُسيت الصغيرة التي قتلها الإهمال مرة أخرى.
إذًن، لا فارق بين حادثة “جهاد” و”يارا” سوى في المكان، لا فارق بين جامعة حكومية وجامعة خاصة في مصر، لو كنت أجنبيـة عن هذه الدولة ومسئولة في الجامعة الألمانية وحضرت مأساة “جهاد” وطُلب مني التصريح بشيء ما، لأخبرتهم أن يذهبوا ويحققوا في مسألة “جهاد” أولاً قبل أن يحاسبونني، فهذه دولة لا تـُلقي بالًا بأرواح مواطنيها، فـلِمَ عليّ أن أهتم أنا؟!
نستنتج أن الإهمال جين متأصل في الشعب المصري، لا يـُفرق بين أحد من مواطني هذه الدولة، ما دمتَ مصريًّا وتعيش على أرض هذا الوطن ستظل مـُعرضـًا للإهمال الذي قد يقتلك في أية لحظة بدون محاسبة جدّية.
مثال آخر على الإهمال الذي وصل إلى القمة، منذ عدة أسابيع كان هناك افتتاح لبعض الكباري على مستوى الجمهورية عن طريق “الفيديو كونفرنس” مع السيسي وتم افتتاح كوبري “طلخا” يومها رغم أن مـَن يعيش في المنصورة يعرف أن الكوبري لم ينته العمل فيه بعد، ولا تدري من لفت انتباه السيسي لهذه النقطة، لنجده في افتتاح كوبري آخر بعدها يسأل الرجل عما إذا كان الكوبري قد تم الانتهاء منه فعلاً أم ما يزال تحت الإنشاء واتضح أن الكوبري ذاك أيضـًا ما يزال تحت الإنشاء!
فلسفة الإهمال التي تصل إلى حد الوقاحة في التعامل أصبحت شيئـًا رسميـًا في حياة المصريين، وكأننا لا نستطيع العيش بدونها والنظام الحالي يتصور أن مجرد انتخابه يعني أن شيئـًا جديدًا قد طرأ على حياة المصريين وأن نية التغيير ستعمل آليـًا، يذكرني بموقف الفتاة الحالمة- ودعونا هنا نستخدم كلمة الحالمة – التي تحلم بأن تجعل حبيبها يكف عن إدمان المخدرات أو لعب القمار بعد الزواج بحجة أنه سيتغير لأنه يحبها، هذا موقف ساذج من فتاة ساذجة، وكذلك موقف النظام الذي يتصور أن المصريين سيتغيرون فقط لأنهم يحبونه ولأنهم اختاروه.
أيها السادة، النيات الحسنة لا تصنع نهضة وفي مصر، خلف كل مهمل يموت يولد مهمل جديد.

الجمعة، 26 يونيو 2015

أنتَ بين الحُلم والعلمِ




في البدء..
ظهرت من العدم
أو هكذا لاح لي مكانك
تلويحة...فسلام..
لا يمكن أن تقول الكثير
"ولكني رغبت في المزيد والمزيد منك"
كلماتك الحكيمة..نغمة صوتك البطيئة
يا الله! من أين لك بكل هذه الثقة؟!
تبدو كعجوز محترفة الغزل
وخياطة بارعة تحيك لك وشاحًا
كي تضعه حبيبتك على رقبتها في ليالي الشتاء الطويلة تنتظرك في الشارع.
"ليست الوحيدة التي تنتظر"
تقود سيارتك حتى المنعطف
أرها ترنو إليك وقد تبدلت زرقة يدها إلى دفء عميق حين احتضنتها وتورد خداها خجلا
"لستَ وحدك حبيبها"
لطالما أردت أن أقول لها
"لستِ وحدِكِ حبيبته"
ولكنني أعلم أنها حبيبته وأنها الوحيدة وأنني لست هي.. لست شيء.. لست منك ولن يكون لي إكتمال مع ضلعك حين الإجتماع .

ولكنني مازلت أنتظر ليالي الشتاء قارصة البرودة
سأرتدي معطفي وألفُ وشاحي وأنزل إلى الشارع
أنتظر على قارعة الطريق
مراقبة حبات المطر وهي تنهمر على أرضية الشارع
"بستنظرك"
أرجو هاتفي كل يوم أن يدق لأسمع صوتك ..صوتك فحسب،يجلب لي الامان
"بستنظرك يا حبيبي "
اجاهد نفسي كل يوم لأنسى.. لأستفيق من خبلي بك وإليك.. أصارع أفكاري أسيرة قلبك ..أبكي… أصرخ.. أغضب.. أستسلم
"لستُ منك ولن يُفضي إجتماعنا إلى إكتمال ضلع"
عليّ أن أنسى..
انا الآن بخير بدونك
أنا وأنا وأنا
ثم الكثير من أنت والتمتمة باسمك
على غير هدى أسير أكتب اسمك في الهواء متبوعًا بقوس فارغ (أنت لا مكتمل بالنسبة  إليّ)
يا الله! لماذا أحبك هكذا بلا أمل؟
الطواف الطواف ما يزال حلّي..
الخبلان يلوح لي أن (اقتربي)
أود نسيانك ولكني لا أرغب في ذلك
أحبك/أكرهك
أريدك/ابتعد
احتضني/…
…
…… .
لا ارغب إلا في الانعتاق
منك وإليك                                   
لا!                                                          
أرغب في الانعتاق منك فحسب
سأكون أقوى ..سأنتظر موسمًا حيث تُزهر الورود وتختفي أنت بظلالك القوية
بعيدًا
بعيدًا
لأن قُربك يُربكني.. لأني أحبك
ولأنني أعلم..
أنك أنت كنت الحد بين الحلم والعلم.


الاثنين، 11 مايو 2015

المرأة التي قهرت الربيع

يـُحكى أن..
الربيعَ قد أتى مهرولاً
ينشرُ من سلاله الكثيرة الزهور والروائح العطرة
ينثر الحـَب في كل أرضٍ ووادٍ
حتى أوقفه
ضباب تلك المدينة
رغم اكتفاء أهلها من الشتاء
وانتظارهم المستمر لنسمات الربيع
تغشى عليهم غمامة صنعها
حزن امرأة في المدينة
تبحث عن محبوبها
تتتابع عليها الأشكالُ والأجساد
ولكن..
لا جسدًا يـُكمل شكلها
قد ظهر
لا روحٌ تسدُ نواقصها
قد أتت
تتداول الألسنةُ أن محبوبها 
في أرضٍ بعيدة 
يسكنُ.
لـِمَ لا يأتي؟!
لا أحد يعرف!
كل ما يعرفونه أنها تتألم في صمت يوميـًا 
وأن حزنها قد غلّف المدينة ببرودة كثيفة 
حتى الربيع جلس 
على أعتاب المدينة
ضعيف الحيلة لا يدري
ماذا يصنع من أجل الجميلة؟!
أتته عجوز من داخل المدينة
أخبرته أنهم في انتظاره بفارغ الصبر
ثم أتته بحيلة
يتنكر ويدخل إلى المرأة
لعله يـُشفيها من هـَوسها
تنكر الربيع على هيئة صبّار
ودخل إلى المدينة
كان الضباب الكثيف ينبيء بمكان المرأة
تتبعه حتى وصل
الآن يرها..
فتاة فاتنة الجسد رائعة القسمات
تستلقي في حزن وانتظار
حاول الربيع مداواتها
ولكن ما إن اقترب حتى
انبثقت الدماء من جسدها
كلما لمسها أدمّت
نَظر الربيعُ إلى إنعكاس صورته في المرأة
وجد جسده قد امتلأ بأشواك الصبّار
قرر التوقف عن المحاولة
قد صار جسدها مليئـًا بالندوب والتقرحات
أدرك أن الربيع لا يجلبُ الحـُبَ لمن ينتظره
ولا يأتي بالسعادة لمن فقد أحباءه
استلقى في صمت بجانبها
أخذا ينظران إلى السماء المُلبدة بالغيوم
انحدرت دمعة من عينيهما
كان جسده كلما أزهرت عليه وردة قتلتها الأشواك
هطلت الأمطار
امتزجت رائحة الزهور بدمائها المتخثرة
وتصاعدت من المزيج رائحة غريبة
مليئة بالحزن المختلط بالجمال
ثم..
لم يستطع  الرواة إنهاء الحكاية
لأن الصفحة الأخيرة فُقدت
في ظروف غامضة
وبقيت القصة
بلا نهاية.



السبت، 18 أبريل 2015

وصف الأمكنة في رحلة الجامعة

إنه إحدى الصباحات المبهرة التي تُدرك فيها وجود الله.
ألتفتُ إلى يمين الشارع .."محمود لم يـَعد هنا" لا أمل في صدفة ما.."أصبح الآن في دبي" أهمسُ لنفسي وأواصل متابعة الشارع من نافذة السيارة وهي تنطلق.."المكتبة..ليست مكانـًا مليئـًا كليـًا بالذكريات الجميلة على أية حال"..تستمر المشاهد وأنا أتأمل الشوارع نصف الفارغة..أحاول تذكُر خريطة مصر .. "المنصورة..دمياط..نحن في الشرق..آه،إذًا لهذا يُسمى هذا الحي –حي غرب-! لأنه يُطلُ على النهر العظيم.."أقرأ لافتة النادي.." تم تأجيل حفل كايروكي وشارموفرز وبلاك تيما إلى عيد الفطر"..عيد الفطر بعيدٌ قليلاً..الأمن لا يكفُ عن سخافاته؛عليه أن يؤجل أي حفلة في المنصورة.
أواصل التأمل..الحوليات..أجمل مظهر في المنصورة..أخبرتُ إسلام أنني أحب المنصورة في الربيع لذاك الغرض فحسب..وعدته أن أصور الأشجار حين يأتي الربيع..ربما عليّ أن أفي بهذا الوعد قريبـًا..أتمنى لو أسير تحت ظلال هذه الورود معه نتحدث في أي شيء..لستُ شخصـًا رومانسيـًا ولا يوجد لدي صوتٌ مفضل لأستيقظ عليه لكن لديّ قائمة من الأصوات التي لا أحبُ أن أستيقظ عليها أولها صوت المنبه!
رغم ذلك،أتمنى لو أستيقظ بجوار أحدهم،أتأمل الفراغ من حولي وأسأل الملائكة "هل سأظل وحيدة للأبد؟!"
أؤمن بأنني إذا أردتُ شيئـًا سأفعله..لو أردت أن أكون رومانسية فسأكون وإن أردتُ أن أكتب شعرًا عظيمـًا فسأكتب...لكنني لا أريد..الورد جميل لأنه ورد لا لشيء آخر،فأنا لا أصبغ الأشياء بصبغة رومانسية أو غيرها.
مستشفى الجامعة..أنظر إليها مليـًا وأتساءل في قرارة نفسي "متى سينصلح حال كل هذه المشاكل والخرائب؟!"
أتذكرُ الجدلَ الديني الدائر وأستحضر صورتي وأنا صغيرة حين كنتُ أصلي لله كي لا أكون وحيدة كما يقولون لي –طفلة وحيدة بلا إخوة أو أخوات- ..لأخبره ألا ينساني..ولكن الله لا ينسى..الله يعلم..الله يرى ولا يحتاج لصلوات المنافقين.
أود لو أستعيد روح الدين الطفولية داخلي..أنا أصلي لكي أخبر الله أنني أحب وجوده معي،وأنني بخير لأنه لا ينساني ولأنني لست وحيدة ولكن هؤلاء الصارخون المنددون بالعذاب ليل نهار هم الوحيدون!
أهبطُ إلى الجامعة..أحاول السير على مَهَل واستنشاق الهواء النقي النادر..يتداخل معه شيءُ فيفسده سريعـًا.
مايزال هناك نصف ساعة على المحاضرة..لستُ في عجلة من أمري ورغم ذلك اعتادت قدميّ على السير مسرعةً للحاق بما لديّ من أمور فلا أستطيع إبطائها.
يخطر على بالي كيف كانت الجامعة كبيرة تشبه المتاهة أول يوم فيها..ثم أتذكر كيف قطعتها ذهابـًا وإيابـًا مع كمال وأسماء وعـُلا وسارة عدّة مرات منذ أيام ..لابد أننا نعتاد كِبرَ الأشياء والأماكن حتى تفقد حجمها الطبيعي في ذاكرتنا ونعتادُ عليها..ربما هكذا نعتادّ على خيباتنا المتكررة وأخطاء مّن حولنا المتكررة!
أصلُ إلى الكلية،يطلبون رؤية بطاقة الهوية الجامعية،لم يحدث هذا منذ فترة في الكلية..أنظر في ساعتي..تبقَ ربعُ الساعة على المحاضرة..الفتاتان أمامي تصعدان السلم ببطء لا أحبه في معظم أيامي لكنني اليوم لستُ في عجلة..أتوقف عند قاعة المحاضرة..أدخل..أجلس في الصف الأمامي..أكتب هذا النص وأنتظر بداية اليوم.




سارة حسين

18/04/2015


الاثنين، 13 أبريل 2015

المرأة الأسطورة

ما الذي ..
يُبقيكَ في صُحبةِ امرأة..
لا تكفُ عن الثرثرة حول الكتب
هوايتها نسخُ أردية من الخيال
لا تعرف من أدوات الحياة سوى
قلمٍ وورقة
لديها أجنحة متخفية عن الأنظارِ
تسمح لها بالتحليق في سماوات الخيال
تُدب بقدميها في الأرض
يتوغل جذرها في التربة
وينتشر..
ترتفع بجذعها حتى يغطيها السحابُ
وتُطلق شعرها أعشاشـًا للطيور
حاضنةً إياهم في برد الليل
مُطلقةً سراحهم عند البكور
حانية معظم الوقت
وقاسية عند الحاجة
صديقتها في الحياة قطة
تموء في كسلٍ
وعصفور يغرد صافيـًا
من الهم..
هو فتى أحلامها
تُشبه عنقاء محترقة من الأسى
أو بحر مُتقلب لا يكف
عن التغزل في رمال الشواطيء
أتوق إليها ولا أتوق
أحبها ولكني أخشى الوقوع في شباكها
ساحرة هي بحركتها البطيئة
بثباتها العريق
تحمل في قلبها حبـًا
لصديق مات قبل أن يوجد
وحبيب قاسِ لم يأتِ أبدًا..؟!

كتبت / سارة حسين
13 أبريل 2015