عايزة ألون !
ربما ستستغرب من العنوان و تظنك دخلت المدونة الخطأ أو الاحتمال الأقرب أن المدونة قد سـُرقت و أحد آخر يكتب بدلاً عني .. فالمعروف أنني لا أجيد الرسم و أحقد عليه لأنه أفقدني درجات في امتحان آخر العام بالشهادة الإعدادية، فما بالك بالتلوين و ما يوجبه من قيود ؟!
طوال حياتي و أنا أتلقى انتقادات على طريقة تلويني.. (لوني جوا الخط ، حددي خطوطك ، لوني جذع الشجرة بالبني الغامق و الفروع بالبني الفاتح ، لوني وشوش البشر بالـ(بصلي) و ما تسيبيهاش فارغة كدا كأنها هوا داخل اللوحة ) !
لماذا نـُصر على أن لون جذع الشجرة بالبني الغامق ؟! هل لأننا نراه على الطبيعة هكذا ؟! ألا يمكن أن تكون هذه الألوان الوحيدة المتوفرة لدينا في المخ و أنه في الحقيقة ليس بنيـًا ؟! ألا ترى بعض الحيوانات كل الألوان أبيض و أسود ؟! هل إذا طلبنا منها أن تلون و استخدمت الألوان الخاطئة – في نظرنا- نلومها ؟!
سترد عليّ بأن الحيوانات لا تلون .. حسنـًا ، ربما .. لكن هذا ليس ردًا منطقيـًا على تشبثك بهذه الألوان ! فربما تطور الحيوانات مهاراتها مستقبلاً و تلون!
ثم ألا يمكنني أن ألون الشجرة بلون أقرب للرمادي .. أليست أشجارنا في الشوارع هكذا ؟ و هناك طبقة بيضاء عليها لتقيها من النمل ، صحيح ؟! هل إذا لم ألونها بالأبيض أنقطها بلون أحمر كأنها قطيع من النمل الصغير يزحف على الشجرة ليدمرها ؟!
ثم لماذا هذا الإصرار على التلوين داخل الخط ؟! لقد كرهت الرسم و التلوين بسبب جملة (داخل الخط) هذه و اتجهت للكتابة ، تقولون : لكن الكتابة بها العديد من القيود .. بلى و لكنها لا تخضع لمقياس (داخل الخط) على الأقل .. لن يوجد أحد على هذه الأرض يطلب مني الكتابة (داخل الخط) .. لأنها غير محددة !
ربما فقط يقول (اكتبي ع الخط) و بالطبع لن يطلب ذلك مني الآن في هذه السن !
ثم لماذا نلون الناس بالبصلي ؟! هل لأنه لون أضيف حديثـًا مثلاً لعلبة الألوان – الكلام دا كان على أيامي - و فرحانين به ؟!
ألا يوجد الشخص الأبيض بياض الثلج ؟! و الأسمر ؟! و الأسود ؟!
لماذا أحرم لوحتي من تشكيلة الألوان هذه و أكتفي باللون (البصلي) الذي بالمناسبة لا يشبه البصل في شيء و لا حتى يشبه لون بشرة الإنسان الطبيعي !
و بعض الناس يمرون علينا كما نرسم في اللوحات لا وجوه لهم و لا ألوان ! فقط هواء و فراغ بلا تحديد !
ثم من قال أننا نرسم لوحة لواقع؟! هل الحصة اسمها حصة الرسم الواقعي أم الرسم و فقط !؟ ألا يمكن أن نجرب حظنا في ألوان مختلفة لهذا الرسم ما دمنا لا نرسم صورة واقعية أصلاً ؟!
أخبروني بالله عليكم ، أين يمكن أن نجد شجرة جذعها بني اللون في مدينة تملؤها العوادم و الملوثات بل أين نجد شجرة خضراء بذلك البهاء للون الأخضر المفترض؟! و أين يقطن هؤلاء الناس ذوو الوجوه البصلية !؟ أهو جنس لم ندرس عنه في حصص الجغرافيا المملة ؟!
حسنـًا ، ربما أجرب حظي الآن بعيدًا عن الصفوف المدرسية و أجرب التلوين بألوان مختلفة .. هذا سيسمح لي ببعض الحرية في اختيار الألوان .
المشكلة في رغبتي هذه أنني أرى الألوان باهتة مؤخرًا ، تحتاج إلى نوع من البهجة و السرور في تلوينها .. كل شيء يحتاج إلى إعادة تلوين .. أود أن أحمل صندوق من الطلاء و أركض في كل الأنحاء ملقية إياه على الأشياء هنا و هناك حتى تعود للونها الأصلي و أثناء ذلك أتساءل و لا أدري كيف تبهت ألوان الدنيا بينما تظل ألوان قبور الفراعنة ملونة مزدهرة كأنها قد طـُليت بالأمس فقط ؟!
أكان لديهم علاج لبهوت الألوان و تغير حال الدنيا من الذبول إلى الإخضرار ؟!
هل هي طبيعة حياتهم على شط النيل و الزراعة ؟!
هل الأشجار فيها سر الحياة الملونة و الحيوية الدائمة؟!
هل معجزات الحياة قادرة على أن تعيد للحياة ألوانها ؟!
أيمكن أن تعيد الألوان رسم الأشياء مرة أخرى و تنبيهنا لها .. هل الألوان بهذه القوة حقـًا ؟!
و هل يمكن أن تصالحنا في يوم ما و تعود إلى حياتنا الباهتة ؟!
هل يمكن أن تعود الألوان يومـًا إلى الأرض التي شوهت طبيعتها النقية بكل هذه الكمية من التلون !؟




