السبت، 30 أغسطس، 2014

رسالة إلى (ع)




عزيزي (ع)،


بعد التحية والسلام


كيف هي أحوالك يا صديقي؟ هل مازلت تأكل الخس وتمارس التمارين الرياضية بانتظام؟ أتمنى أن تكون في أفضل حال.
إنني أكتب لك وقد سئمت من كل الأسئلة التي أطرحها على نفسي ليل نهار..دعني أخبرك صراحة بأنني ألعن الأسئلة التي توجد بلا إجابات؛لقد سئمت من البحث في دواخل نفسي عن إجابة لا أملكها بل يملكها هو،وأعلم أن لساني سيخذلني إذا قررت يومـًا أن أطرحها عليه.
تنتابي رغبة عارمة قبل الخلود للنوم في الخروج إلى الصالة وفتح نافذتها على مصراعيها..وكأنني أتوسل هذا الليل ألا يتركني أنام في هذه الحيرة..أتطلع إلى المدينة الصامتة من أعلى الصاخبة بداخلها ثم يرتفع بصري إلى السماء القاتمة فأدعو الله كثيرًا أن يمنحني بعض الهدوء والسكينة لأتم ليلتي على خير بلا بكاء أو ضيق.
أدور في فلك الغرفة وأفكر فيما كان ينبغي عليّ أن أقول ولم أفعل..أحاول الضرب بذاكرتي للوراء حتى أكتشف اللحظة التي أخفقت فيها..اللحظة التي تغير فيها كل شيء فأفشل في ذلك..إنك لا تعلم بالضبط أين فشلت ولا متى ولكنك تشعر في اللحظة المناسبة بذاك الفشل وتبدأ رحلة عسيرة لإصلاح كل شيء فسد ..رحلة تـنتهك كل حـُرماتك وإنسانيتك..رحلة تـُشعرك معها أنك قد لفظت أنفاسك الأخيرة.هذه الرحلة قد لا تفقدك الحياة ولكنها تفقدك الإحساس بطعم هذه الحياة،وتشعر معها بأنك تريد البدء من جديد..فقط بداية جديدة مع أشخاص وأماكن جديدة..فقط!
أتجه إلى النافذة من الجديد وأتطلع إلى النجوم الزرقاء فيها..هذه النجوم الشابة في تاريخ الكون والتي على الأغلب لن أرى نهايتها تـُطمئنّي أنه مازال بوسعي البقاء والحياة.اللحظة التي أراقب فيها السماء هي اللحظة التي أستطيع الشعور فيها بلمعان عينيّ..هذا الشغف بالحرية المـُطلقة الذي يدفعك لمد بصرك لأعلى راقصـًا مع ذرات الهواء حتى يقع مرآه على  النجمة المناسبة لأشعر بإنعكاسها على شبكية عينيّ الجميلة –كما كان يخبرني دومـًا- وأتوق إلى هذه الحرية. تخبرني صديقتي حين أسألها مستفسرة متى سأكون سعيدة بأنني سأكون كذلك حينما أحصل على حريتي..حريتي التامة والمـُطلقة! هل تؤيدها في ذلك القول؟!
لقد جربت كل شيء يقول الناس أنه يجلب السعادة،جربت الشوكولاتة والموسيقى والقراءة والحـُب والأصدقاء والعائلة ولم أتذوق السعادة كما تذوقتها حينما كنت أحصل على بعض حريتي من حين لآخر..تلك الضحكة المرتفعة ،والعينان اللامعتان ،والبشرة المتوردة والجسد المشدود لا أشعر بهم إلا حينما أتملك حريتي.
ولكنني أعلم أنه لا يوجد حرية مـُطلقة وأنه يوجد دومـًا شيء ما يجذبك لتظل داخل الدائرة،وإذا حاولت واستطعت النفاد من جاذبية الأرض فإنك لن تفلت من جاذبية الشمس والكون كله!
لقد كنت أستمتع بالتحديق إلى عينيه لأنني أرى فيهما جزءًا من حريتي..كنت أرى النجوم! وحتى بعد افتراقنا لم أفقد قدرتي على النظر إلى النجوم..فقط هذه المرة بدون أن أرى عينيه!
إن الاستمتاع بالجمال لا يتطلب وجود شخص آخر معك ولكنك بالتأكيد سوف تستمتع بصحبة أحدهم لأن الجمال يجذب النفوس النقية..النفوس التي تعطنت بعفن الحياة لن تستشعر جمال أي شيء حولها حتى أنفسها!

إن الحياة جميلة لمن لم يـُجرب الألم والحزن وأجمل لمن جرّب كل ذلك وصمد واستطاع أن ينهض من جديد.إن الكاهل المـُثقل بالهموم أكثر إمتنانـًا لكل شيء حوله وينظر إلى كـُلً بعين الرضا وربما بعين مـَن اعتاد على مراقبة كل شيء حتى صار كل شيء بالنسبة له مسرحية يشاهدها من بعيد.الكاهل المـُثقل بالهموم أكثر صبرًا وتحملاً لما حوله؛لأنه جرّب الأحمال الثقيلة..صحيح أنه لا يحبها ولكنه لا يـُمانِع حملهِا.إن دافع الحياة عند ذاك الكاهل لأقوى بكثير مما لدى ذلك الكاهل الذي اعتاد الراحة في كل شيء؛لأنه علم أن بعد كل هذا التعب يـُصبح أقوى وأكثر إحتمالاً على مواجهة هذه الحياة ومقاومة ما فيها. إن جنود الحرب الناجون بعاهاتهم المستديمة والذين صرعوا مرض السرطان عندي لأقوى تأثيرًا في نفسي على الصمود في وجه هذه الحياة أكثر من أي شيء آخر.
أعلم أنني مثالية يا (ع) ولكن لا بأس في ذلك في عصر استشرى فيه الفساد والظلم والكذب،أعتقد أنني موجودة لأُذّكر الآخرين بأن الحياة تستحق أن نمنحها أفضل ما لدينا لأننا الأرواح المرتفعة المترفعة لا المضمحلة الفاسدة.
تعلم مثلي بأن لكل شخص في الحياة مهمة،ولكن هل تظننا نعرف مهمتنا منذ اللحظة الأولى لإدراكنا؟! إن هذا يجعل الحياة مملة وفاقدة لطعمها.لطالما عهدت في نفسي ميلًا للحكمة وأعرف أنني سوف أقطع طريقـًا ولو كان لدهر لأصل إليها..إن الحكمة شيء عظيم لا تـُدركه إلا في نهاية المطاف الممهد بخطاياك والمفروش بأشواك من صنيعك وصنيعة الآخرين لك،وأدعو الله كثيرًا أن أصل إلى نهاية المطاف وقد علمتُ الحكمة وعرفت مهمتي في هذه الحياة.

لقد طلبت مني عزيزي (ع) أن أكتب لك أكثر لأنك تستطيع استنشاقي عبر كلماتي وأنا أحاول دومـًا..فالمحاولة كلمة عظيمة..أنا دائمـًا أحاول..أحاول..أحاول! فهل تحاول أنت أيضـًا؟!
أخيرًا أخبرك أنه،ربما ألعن الطريق ولكنني أبدًا لن ألعن الرحلة..أعدني بذلك،فأنا أستحق رحلة البحث عن كل شيء لأنني باحثة عن الحكمة في النهاية.

تحياتي العطرة دومـًا لك،





سارة حسين

30/8/2014

الأربعاء، 27 أغسطس، 2014

بلا أرض ثابتة

 


الأرض التي لم تُكتب لكِ

الأرض التي لم يـُكتب لكِ الرسو عليها

تبدين طائرة دومـًا بين السحاب المـُبهج

أو غارقة حتى القاع في محيط من الأوهام والمشاعر

أنتِ كمن وضعكِ على جسم للتوزان

تـُصارعين السقوط فتركضين هنا وهناك على الطرفين

وكليهما يقودكِ إلى الهاوية

كريشة طائر تعبث بها جزيئات الهواء

أو سمكة ضلّت طريق سربها في عـِرض المحيط

كبيت عنكبوت واهن تتشابك فيه المصائر والقرارات

الهشاشة تلاحقكِ في كل مكان

تـُخرج لكِ لسانها

تظهر أمامكِ من خلف الجدران

ألا تنسينني

فأنا هنا أبدًا

لستِ من هنا عزيزتي..ستظلين طائرة

ستظلين هائمة..لم تـُكتب لكِ هذه الأرض

ولم يـُقدّر لكِ استقرارًا

ستظلين روحـًا هائمة

تـُطارد الفراشات الملونة أملاً في بهجة

وتبكي رعب الليالي المـُظلمة في الغابات

بلا أمل..بلا حياة..بلا روح..بلا أرض ثابتة.


Sara Hussein
 
22/07/2014