الأحد، 5 يونيو، 2011

مصر بلد الأمن و الأمان

يصلح العنوان لموضوع تعبير ...
و لكنها حقيقة يجب أن نسلًم بها جميعًا ...


منذ عام و نصف تقريبًا ، التحقت بإحدى مجموعات المركز الفرنسي بالمنصورة في الصيف و أعلنوا أن لدينا ضيف قادم من فرنسا هو من سيقوم معنا بالنشاطات المختلفة .
زميل لنا في المجموعة يبدو أكثر شبهًا بسيدات البيوت و الجارات النمامات ... يعرف كل شيء تقريبًا عن الرجل !
و لأن أغلب المجموعة فتيات و الفتيات يحببن سماع أخبار الناس ... فقد بدأ يحكي لنا زميلنا النمام حكاية هذا الخواجة الفرنسي باستمتاع!
أتى الخواجة ليحضر الماجستير و وقع اختياره على مصر لتكون رسالة الماجستير و منذ أن وطأت قدما الخواجة مصر ... فعل مثلما فعل الهكسوس و الرومان و شجرة الدر و نابليون و الإنجليز و أخيرًا مبارك !
وقع في غرام مصر و طمع في ثرواتها !
أعجبته مصر و راقته المنصورة كثيرًا ... و أبدى سعادته بكل تلك الأشجار الموجودة في المنصورة .
حين وصل زميلنا لهذه النقطة تململت في مقعدي و بدا أنني سأعترض و أخرب مزاج القعدة فنظر إليّ بمنتهى البرود مع نظرة ثاقبة من عينيه تقول (إياكِ أن تفسدي الجو !) و ضغطت صديقتي الجالسة بجانبي على يدي  و قد لاحظت بالطبع هذا الحوار الصامت البارد فصمتّ احترامًا لصديقتي و انتظرت لأسمع باقي القول العجيب ...
و بعد أن أنهى الخواجة رسالة الماجستير عاد لفرنسا و هو يحمل ذكريات هذا البلد الجميل في قلبه و سرعان ما قرر أن يستقر في مصر ! ( يادي المصيبة ! ناقصين احنا ؟)
و بسرعة نزل الخواجة إلى المنصورة التي اختارها مكانًا لسكناه و تزوج فتاة مصرية أصيلة ذات بشرة سمراء و شخصية مرحة لطيفة ككل المصريات و  أنجب منها طفلة جميلة لتستمر ملحمة جمال بنات المنصورة لعقدين آخرين من الزمان !
و في إحدى المحاضرات التي يطلقون عليها بالانجليزية (Free Talking) أخذ الـ"مسيو" يتحدث معنا عن جمال مصر و روعة المنصورة و نحن على وشك الانفجار في وجهه و صفعه على وجهه ليفيق و يكتشف أن هذا الجمال غير موجود على الإطلاق إلا في خياله !
و كان من حسن أو سوء حظي أنه كلفني بقراءة مقالة قصيرة عن بلدة في فرنسا اكتشفت فيما بعد إنها بلدته الأصل !
طبعًا الصور الموجودة في الكتاب الذي يحتوي على المقالة كفيل بأن أرمي الكتاب في وجهه ليتأكد من أن المنصورة ليست بهذا الجمال !
و لكن العرق المصري انتفض في اللحظة الأخيرة و تكلمت مؤكدة أن الإسكندرية و مرسى مطروح و شرم الشيخ أروع بكثير من هذه الصور (أقصد البحر طبعًا بكلامي)
و في نهاية المطاف ، تطوع الزميل النمام هو و صديقه الصغير ليتكلما و يهدما أحلام الـ"مسيو" الوردية على صخرة الواقع !
و الصديق الصغير هذا أثار دهشتي ، هو ليس صغيرًا في السن لكن جسمه ضئيل و لا يتكلم تقريبًا ... أو هذا ما كنت أعتقده !
فلقد قادني سوء حظي أن أعمل معه على مشروع في إحدى المحاضرات الأولى و كنت أنتزع الكلمة منه بالقوة !
هو لا يريد أن يتكلم ... هو لا يريد أن يتعاون !
و وصلت لدرجة اليأس فأصبحت أكتب الأسئلة و أجيبها بدون أن يتدخل و يبدو أنه كان مرتاحًا بهذه الطريقة ! فلا هو يفكر و لا هو يعمل ... فقط دع الفتاة تفكر و تكتب و تعمل ... فهمها الوحيد أن تتفوق و ستفعل المستحيل معك أو بدونك لتحقق ذلك !
لذلك كنت مغتاظة منه حقًا عندما أخذ يتكلم عن كمية العشوائيات و (العزب) الموجودة في المنصورة و منها عزب كانت أول مرة أسمع عنها !
 يعني عندك لسان ياااااااااااااا....!؟ طب ما كنتش بتنطق ليه ؟! كان مديني الودن اللي ما بتسمعش و اللسان اللي ما بيتحركش ليييييه ؟!
كنت بتفرس و بولع منه و أخذت أضرب قدم صديقتي بقوة لاحظتها أغلب الفتيات فقط لنجهز كتيبة الدفاع .
و أخذت أتكلم عن أن المنصورة فيها عشوائيات و لكن مع ذلك أغلب القوى الناعمة خرجت منها و ذلك بسبب هدوءها و صفاء جوها و نيلها العذب و شمسها الذهبية و أشجارها التي تبعث الهدوء في نفس متأملها و تحثه على التفكير و الإبداع (سامحني يا رب اني بكذب لكني مضطرة عشان الأخ النمام و صديقه الأخرس الضئيل ما يبوظوش سمعة مصر )
ثم تكلمنا عن الأمن ! آآآآآه ... المنطقة دي كل المصريين عندهم استعداد يتكلموا عليها للسنة الجاية و مش هيخلصوا برضو !
كانت هناك حادثة شهيرة أيامها مع موضة (التكاتك) التي غزت شوارع المنصورة و كيف يخطف الموتوسيكل أو التوك توك حقائب الفتيات أثناء سيرهن في الشارع و غيرها من الأمور ...
و كانت الحادثة تتلخص في أن سائق ميكروباص هدد الركاب و كاد يفتك بهم بالقرب من مبنى المحافظة !
حادثة يمكن اعتبارها عادية بالنسبة لما كان يحدث أيامها و لكن لسبب ما اهتم بها الزميل النمام و صديقه الضئيل الأخرس الذي أصبح (لكاك) درجة أولى و هو يدافع عن وجهة نظر صديقه في أن الأمن في مصر ...مافيش !!
و صحيح كلنا كنا نعاني من الأمن و لكن ليس لدرجة مافيش !
كان الأمن كخيال المآتة ... لا بيهش و لا بينش ... و لكنه مرعب للدرجة التي تسمح بضمان عدم اقتراب العصافير من الحقل !
نفس النظرية كان الأمن يتبعها ... هناك ضابط و هناك حكومة ... صحيح لن تأخذ لك حقك و لكن وجودها يجعل البلطجة مختفية نوعًا ما .
و كأننا تحولنا لدولة معادية لمصر و الـ"مسيو" هو المصري المدافع عن بلده .
أخذ يحدثنا عن مصر الأمن و الأمان و أن في بلدته في فرنسا أو في باريس لا تضمن نفسك بعد الثامنة مساءًا في الشارع .
هناك أحداث رهيبة تقع في فرنسا و لكنها لا تحدث في مصر .
و لأننا لم نرى فرنسا فقد صدقناه عندما قال (انت المسئول عن نفسك هناك) و صدقناه لأننا ربطنا بين ما يقول و بين ما نراه في التلفاز من مسلسلات و أفلام للجريمة المنظمة في أوروبا و أمريكا !
أتوقف هنا لأفكر و أحلل و أتساءل ...
لا أود أن تكون مصر بعد الثورة مثل أوروبا و أمريكا و أنك لا تضمن أن تسير في الشارع و تعود سليمًا لمنزلك بعد الثامنة مساءًا .
لا نريد أن تكون أول تجربة لمصر هي المافيا و العصابات المسلحة !
نحن قمنا بالثورة لأننا أردنا الأمن و الأمان الحقيقيين !
أردنا الحارس الأمين على الوطن !
استبدل الفلاح خيال المآتة بالكلب الأمين المفترس الذي سيمزق العصافير لو اقتربت من الحقل.
نحن نريد استبدال نظام الأمن الذي يعتمد على النظارة السوداء و البوكس و صوت السيارة المزعج بالأمن الذي سيمزق البلطجية و يحافظ على الوطن و على المواطنين الشرفاء !
أرجوكم لا تجعلوا أول تجربة لنا بعد الثورة هي المافيا المصرية !
أرجوكم كونوا أمناء على هذا الوطن و على هذا الشعب !
أرجوكم كونوا ذلك الحلم الجميل الذي يحلم به الـ"مسيو" لمصر التي مازال يعشق ترابها و يريد أن يبنيها !
أرجوكم اخذلوا الولد النمام و صديقه الضئيل الذي أصابني بالشلل و اثبتوا أنهم مخطئون عندما ظنوا أن مصر لن تتغير !
أرجوكم ... إن كنتم تعتقدون أنكم لن تقدروا على فعل هذا ... استقيلوا و دعوا غيركم يقوم بهذا!
لن يلومكم أحد على الاستقالة ... فهذا هو الحق و كما قال الفاروق عمر : ( مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل) !
فراجعوا أنفسكم و راجعوا الحق ... و توقفوا عن التمادي في الباطل !

هناك تعليق واحد:

  1. هذا الموضوع جميل جدا وشكرا لك يا ساااااااااااااااااارة

    ردحذف